الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
70
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر فشبه حالة المنتهي من كلفة بحالة السائر يلقي عصاه التي استصحبها في سيره . ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ . أعيد اسم الإشارة بعد قوله آنفا : ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ [ محمد : 3 ] للنكتة التي تقدمت هنالك ، وهو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف . وتقدير المحذوف : الأمر ذلك ، والمشار إليه ما تقدم من قوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ إلى هنا ، ويفيد اسم الإشارة تقرير الحكم ورسوخه في النفوس . والجملة من اسم الإشارة والمحذوف معترضة و لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ في موضع الحال من الضمير المرفوع المقدر في المصدر من قوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ ، أي أمرتم بضرب رقابهم ، والحال أن اللّه لو شاء لاستأصلهم ولم يكلفكم بقتالهم ، ولكن اللّه ناط المسببات بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعضكم ببعض . وتعدية ( انتصر ) بحرف ( من ) مع أن حقه أن يعدّى بحرف ( على ) لتضمينه معنى : انتقم . والاستدراك راجع إلى ما في معنى المشيئة من احتمال أن يكون اللّه ترك الانتقام منهم لسبب غير ما بعد الاستدراك . والبلو حقيقته : الاختبار والتجربة ، وهو هنا مجاز في لازمه وهو ظهور ما أراده اللّه من رفع درجات المؤمنين ووقع بأسهم في قلوب أعدائهم ومن إهانة الكفار ، وهو أن شأنهم بمرأى ومسمع من الناس . وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ( 4 ) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ( 5 ) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ( 6 ) هذا من مظاهر بلوى بعضهم ببعض وهو مقابل ما في قوله : فَضَرْبَ الرِّقابِ إلى قوله : وَإِمَّا فِداءً ، فإن ذلك من مظاهر إهانة الذين كفروا فذكر هنا ما هو من رفعة الذين قاتلوا في سبيل اللّه من المؤمنين بعناية اللّه بهم . وجملة وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلخ عطف على جملة فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ الآية فإنه لما أمرهم بقتال المشركين أعقب الأمر بوعد الجزاء على فعله .